ابن الأثير

197

الكامل في التاريخ

قيل : وقال ابن عبّاس : أتيت عليّا بعد قتل عثمان عند عودي من مكّة فوجدت المغيرة بن شعبة مستخليا به ، فخرج من عنده ، فقلت له : ما قال لك هذا ؟ فقال : قال لي قبل مرته هذه : إن لك حقّ الطاعة والنصيحة ، وأنت بقية الناس ، وإن الرأي اليوم تحرز به ما في غد ، وإن الضّياع اليوم يضيّع به ما في غد ، أقرر « 1 » معاوية وابن عامر وعمال عثمان على أعمالهم حتى تأتيك بيعتهم ويسكن الناس ، ثمّ اعزل من شئت ، فأبيت عليه ذلك وقلت : لا أداهن في ديني ولا أعطي الدنيّة في أمري . قال : فإن كنت أبيت عليّ فانزع من شئت واترك معاوية ، فإن في معاوية جرأة ، وهو في أهل الشام يستمع منه ، ولك حجّة في إثباته ، كان عمر بن الخطّاب قد ولّاه الشام . فقلت : لا واللَّه لا أستعمل معاوية يومين ! ثمّ انصرف من عندي وأنا أعرف فيه أنّه يودّ أنّي مخطئ ، ثمّ عاد إليّ الآن فقال : إنّي أشرت عليك أوّل مرّة بالذي أشرت وخالفتني فيه ، ثمّ رأيت بعد ذلك أن تصنع الّذي رأيت فتعزلهم وتستعين بمن تثق به ، فقد كفى اللَّه وهم أهون شوكة ممّا كان . قال ابن عبّاس : فقلت لعليّ : أمّا المرّة الأولى فقد نصحك ، وأمّا المرّة الثانية فقد غشّك . قال : ولم نصحني ؟ قلت : لأنّ معاوية وأصحابه أهل دنيا فمتى تثبّتهم لا يبالوا من ولي هذا الأمر ، ومتى تعزلهم يقولوا [ 1 ] : أخذ هذا الأمر بغير شورى وهو قتل صاحبنا ، ويؤلّبون عليك ، فتنتقض عليك الشام وأهل العراق ، مع أنّي لا آمن طلحة والزبير أن يكرّا عليك ، وأنا أشير عليك أن تثبت معاوية ، فإن بايع لك فعليّ أن أقلعه من منزله ، وقال عليّ : واللَّه لا أعطيه إلّا السيف ! ثمّ تمثّل : وما ميتة إن متّها غير عاجز * بعار إذا ما غالت النفس غولها

--> [ 1 ] فمتى ثبّتهم لا يبالون من ولّي هذا الأمر ، ومتى تعزلهم يقولون . ( 1 ) . أقم . R